جوزى جاب 2

في يوم، وأنا خارجة من الاجتماع، سكرتيرة المكتب دخلت وهي مترددة وقالت لي: “فندم.. فيه شخص برا مصرّ إنه يقابل حضرتك، وبيقول إنه طارق.. طارق جوز حضرتك السابق.”

ابتسمت ببرود وقلت لها: “دخليه.. خليه يشوف بنفسه إزاي الدنيا بتلف.”

الباب اتفتح، ودخل طارق.. بس مكنش ده طارق الغرور والتكبر اللي كان بيمشي في بيت العيله باصص للكل من فوق! كان شكله مبهدل، شعره أبيض كتر، ووجهه دابل، وملابسه قديمة وواضح عليها آثار السنين والتعب. وقف قدامي وهو بيبتلع ريقه بصعوبة، وعيونه مدمعة، وكأنه مش مصدق إن دي “سارة” اللي كان لسه من شهور بيهددها بالرمي في الشارع.

قعدت على كرسي المكتب وحطيت رجل على رجل، وبصيت له بهدوء تام: “أهلاً يا طارق.. خير؟ إيه اللي جابك هنا؟ شكل بيت العيلة وأمك وأخوك مبقوش مكفيين طمعكم ولا إيه؟”

طارق دمع ونزل على ركبه قدام مكتبي، وشه باين عليه الندم والذل الحقيقي، وقال بصوت بيترعش: “سارة.. أرجكي.. سامحيني! أنا جالي سرطان في حياتي من بعد ما مشيتي.. أمي وأحمد طردوني لما الشغل اترفدت منه والشقة راحت، وأحمد اتجوز واحدة تانية وبهدل أمي، وأنا بقيت عايش في الشارع.. مش عايز فلوسك، والله العظيم ما طامع في جنيه.. أنا بس عايز ولادي.. وعايز أرجع للست اللي كانت سند لي وباعت الدنيا عشاني.”

بصيت له نظرة مليانة شفقة بس من غير ولا نقطة حب أو حنين، وقولت له بصوت قاطع وثابت زي الماس:

“تفتكر يا طارق إن اليانصيب هو اللي غير حياتي؟ لا.. اليانصيب كان مجرد وسيلة، الحقيقي اللي غيرني هو إني عرفت قيمتي كويس يوم ما أنت بعتني برخص التراب. ولادي أساميهم منورة في أفضل المدارس، وبيعيشوا في عز وأمان عمرك ما كنت تحلم تديه لهم.. أما أنت؟ فكل واحد بيحصد اللي زرعه.. زرعت طمع وجبروت، فحصدت وحدة وندم.”

قمت وقفت على حيلي، ورفعت راسي بكل كبرياء وعزة نفس، وقولت لسكرتيرتي اللي كانت واقفة برة: “من فضلك.. وصلي الأستاذ لبر الباب، ممنوع دخول أي حد غير مصرح له هنا.”

طارق قعد يصرخ ويبكي وينادي اسمي، بس الأمن مسكه وخرجوه برة الشركة خالص.

قعدت على مكتبي، بصيت من البلكونة الواسعة على شوارع القاهرة الواسعة والنيل اللي بيلتمع قدامي، وحسيت براحة الدنيا كلها في قلبي.. لأن اللي زيك يا طارق بيكسب طمعه، بس اللي زيي بيكتشف إن روحه وكرامته هما أغلى كنز في الوجود.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *