انا واخت جوزى رومانى مكرم 1
في منتصف الليل، فتح مفتاح الباب الخارجي ودخل أحمد. كان وجهه شاحبًا وعيناه حمراوين من التراكمات النفسية والبكاء. لم ينظر في عيني مباشرة، بل سار بخطوات ثقيلة نحو الصالون وجلس وهو يمسك رأسه بيديه.
خرجتُ من الغرفة ببطء، وابتلعْتُ غصة في حلقي، وسألته بصوت خافت:
ـ أحمد.. طمني، الولد عامل إيه؟ الدكتور قال ايه؟
رفع أحمد رأسه، ونظر إليّ بنظرة مليئة بالغضب والتردد، وقال بصوت حاد:
ـ الدكتور بيقول الإصابة قوية جداً.. العناية المركزة، والخدش وصل لحد الجفن والعين محتاجة متابعة دقيقة عشان نطمن إن النظر متأثرش.. وفي محضر اتعمل في المستشفى.
قفز قلبي من مكانه، وهتفت بصدمة:
ـ محضر إيه؟! هو أنتوا اتجننتوا؟ هو أنا اللي جبت البط لحد عندهم؟
وقف أحمد فجأة، وصرخ بوجهي بصوت عالي هز أركان الشقة:
ـ أمي حلفت! أمي بتقول إنكِ كنتِ واقفة وعينك مليانة غل وحقد من يوم ما ولدتي بنت وهي ولدت ولد! وبتقول إنكِ انتي اللي حركتي البط عشان يتحرك ناحيتهم!
ـ أنت بتهزر يا أحمد؟! أنت اتجننت بجد ولا بتمثل؟! البط كان في الحوش وأنا كنت جوه في المطبخ بسخن المية بطلب من أمك! ريهام هي اللي كانت واقفة برة مع ابنها!
رد ببرود وقسوة قطعا قلبي:
ـ أمي مش كدابة.. وأختي في المستشفى وابنها بيتلقى العلاج، وأنتِ مش فارق معاكي غير نفسك! نامي يا هنادي، لأن الكلام لسه مخلصش، والشرطة هتيجي تسألنا الصبح.
تركني ودخل غرفة النوم وأغلق الباب بقوة، تاركني وحدي في الظلام مع ابنتي التي بدأت تبكي وكأنها تشعر بما يدور حولها من ظلم وجهل.
الصباح الحاسم.. ظهور المنقذ الحقيقي
في تمام الساعة الثامنة صباحاً، سمعت طرقات قوية على الباب الخارجي لشقتي، تلتها أصوات رجال شرطة يطلبون فتح الباب للتحقيق في بلاغ مقدّم من جدة الطفل بتهمة الإهمال المتعمد والتسبب في إصابة.
كنت أرتجف وأنا أحمل ملك، وفتحت الباب لأجد ضابط الشرطة يرافق حماي وأحمد، وكان وجه حماي غارقاً في الخجل ولا يستطيع رفع عينيه في عيني.
قال الضابط بجدية:
ـ مدام هنادي؟ فيه بلاغ مقدم ضدكِ من السيدة أم أحمد بتهمة التسبب في إصابة طفل عن طريق تحريك طائر. إيه دفاعك؟
فتحت فمي لأتكلم، وفجأة سمعت صوتاً قوياً من على السلم السفلي يتردد في أرجاء البيت:
ـ استنى يا باشا.. البلاغ ده باطل وكله كذب وافتراء!