بعد وفاة جوزى 2
. روح، وربنا يقومها بالسلامة”.سالم خد الفلوس وجري على المستشفى، وعدت الساعات الطويلة وأنا قاعدة على أحر من الجمر، بدعي من قلبي إن ربنا ينجي الست دي عشان ما يتتمش عيالها برضه، لأن إحساس الأيتام أنا عارفاه كويس ومش تمناه لحد، حتى لو كان لظالم. بعد ساعات، رجع سالم البيت.
. ملامحه كانت متغيرة، ودموع الندم كانت واضحة على وشه. دخل ووقف قدامي، وقال بصوت خاشع ومكسور: “العملية نجحت يا صابرين.. الدكاترة قالوا إنها عدت مرحلة الخطر بفضل ربنا ثم بفضلك وبفلوسك اللي أنقذت حياتها.. ومراتك فاقت، وأول كلمة نطقتها وهي بتعيط قالت لي: روح هات صابرين وعيالها عشان أبوس رجليها وأطلب السماح منها قدام الدنيا كلها”.
هزيت رأسي بهدوء، وقلت له: “مش عايزة حد يبوس رجلي يا سالم.. الكرامة مش في التذلل، الكرامة في الفعل.. ومرتك لو اتعلمت الدرس وفهمت إن الدنيا دايرة، يبقى كفاية عليّ كده.. خلى بالك من بيتك ومن عيالك، وانسى موضوع ورقة الأرض اللي كنت مخوفك بيها، أنا حرقت الورقة دي من يومين.
. لأن حقي اخدته بكرامتي وعمل إيدي، ومش محتاجة أملك بيت أخدته بالطريقة دي”.سالم اتسمع مكاني كأنه اتكهرب، وبص لي بعدم تصدق: “حـ.. حرقتي الورقة يا صابرين؟! بعد كل اللي عملناه معاكي؟!”.ابتسمت بهدوء وثقة، وقلت له: “آه حرقتا..
عشان تفهم إن اللي معاها ربنا وبتجيب رزقها بعرق جبينها، مش محتاجة تلوح ل أخوها بورقة ولا تهدده.. أنا عشت بقوتي ومش بضعفي، ومسامحكم لوجه الله، بس بشرط.. إياك في يوم تقفل بابك في وش محتاج، وإياك تنسى إن السند الحقيقي هو ربنا ثم عملك الطيب”.
مشي سالم وهو حاسس إنه أصغر راجل في الدنيا قصاد كرم أخته اللي كسرت عينه بالأصول والأخلاق مش بالقانون والشرطة. ومن اليوم ده، حياتنا أنا وعيالي انقلبت 180 درجة. المصنع بتاع التطريز والخياطة كبر والشغل بقى كتير، وبقيت أستاذة معروفة في منطقتنا بجودة شغلي وأمانتي، وفتحت محل صغير خاص بي أنا وعيالي، والكل بقى يحترمني ويقدرني.
عيالي دخلوا أحسن المدارس، وبقوا شاطرين ومتميزين، وكل ما حد فيهم يبص لي ويقول لي: “يا ماما إحنا فخورين بكي”، بحس إن تعب السنين ومرارة الأيام راحوا ونسيتهم في ثانية. أما سالم ومراته، فبقوا أسرة تانية خالص..
مراته بقت تزورنا في الأعياد والمناسبات وهي حاطة عينها في الأرض من كتر الكسوف والخجل، وبقت تجيب معايا هدايا لعيالي تعويضاً عن اللي فات، وكل ما تشوفني تبوس راس وتقول لي: “أنتِ مش أخت سالم وبس، أنتِ أجدع ست في الدنيا علمتينا معنى الأصول والكرامة الحقيقية”.