بعد وفاة جوزى 2
! وايه اللي جابك بعد ما بعتني للزمن؟!”.رفع عينه المكسورة وقال لي بصوت مخنوق: “مراتي.. مراتي اللي بعتت عيالها تكسر نفس عيالك وتذلكم.. عملت حادثة عربية مرعبة من ساعتين.. وهي دلوقتي في المستشفي بين الحياة والموت، والدكاترة بيقولوا حالتها خطيرة ومحتاجة عملية تكلف آلاف الجنيهات، وأنا مش معاي مليم واحد، والكل تخلى عني.
. ومافيش غيرك أخته سند وستر.. وعارف إني ما أستاهلش، بس عشان خاطر أبويا اللي مات، الحقينا!”.قلبي اتقبض، وبصيت له وهو واقف كسران ومنهار قدامي، ولقيت عيالي واقفين ورایي بيبصوا لخالهم وهو بيعيط.. فكرت لحظة.. هل أعامله بقسوته ولا أعمل بأصله وأصل أخلاق أبويا الله يرحمه؟
ودلوقتي وصلنا للمحطة الأخيرة.. الجزء اللي هيختم الحكاية دي كلها ويكشف مصير مرات سالم وإيه اللي هيحصل بيننا!وقف قدامي مستني كلمة واحدة.. بصيت له وهو منهار ومنكسر، والدنيا اللي كانت فخورة بقوتها وبتجبرها عليه، وقفت قدام ميزان الإنسانية وأصل التربية.
العقل كان بيقول لي: “فكر في اللي عملته فيك وفي عيالك، دي كانت شمتانة فيكم وفي فقركم، وبعتت عيالها تذلكم”، بس القلب اللي تربى على صلة الرحم وريحة أبويا الله يرحمه كان بيرفض القسوة المطلقة.
بلعت غصة في ضلمة زوري، وبصيت لعيالي اللي كانوا واقفين مترقبين، وكأنهم مستنيين يشوفوا رد فعلي على “خالهم” اللي كسر نفوسهم قبل كده. نزلت لمستوى أصغرهم، وطبطبت على كتفه، وبصيت لسالم وقلت بصوت حاسم وجاد:”أنت ظلمتني يا سالم.
. وظلمت عيالي الأيتام في وقت كنا محتاجين فيه كلمة طيبة مش إهانة وذل.. ومرتك جادت على عيالي بالزبالة والمقطع وهي فاكرة إن ربنا مش هيدير الكفة.. بس أنا مش هعمل زيها.. أنا مش قاسية، ولا اتشمت في مأساة حد، لأن وجع الفقد ده أنا دوقته وعارفة هو إيه..
ادخل يا سالم، وربنا يكتب لها الشفاء”.سالم فتح عيونه بصدمة ودموعه نزلت بغزارة أكبر، وباس إيدي وهو بيعيط بحرقة: “أنا كنت جاهل وعمياني الدنيا يا صابرين.. تسلمي لي يا بنت أبويا، وربنا ما يكسر لك قلب ابداً”.
دخلت الأوضة وطلعت “حويشة” الفلوس اللي كنت جمعتها بعرق جبيدي وتعب ليالي التطريز والخياطة اللي فاتت، واديتها له كلها من غير تردد، وقلت له: “خد، دي للعملية.. مش عشان خاطر مرتك، ولا عشان خاطرك أنت، دي عشان ربنا يعلم إني لو لقيت ميت قدامي مش هسيبه، وعلشان ولادها ما يحسوش بالكسرة اللي عيالي حسوها يوم ما بعتت لهم الهدوم المقطعة.