بعد وفاة جوزى 2
عدت الأيام، ورغم إن سالم ومراته نفذوا اللي طلبته بالحرف وبقوا ماشيين جنب الحيط وخايفين يفتحوا بقهم بكلمة واحدة، إلا إن جرح عيالي وكسرة نفسي ماكانوش بيختفوا بالساهل. فلوس معاش جوزي كانت على قد اللقمة، والديون اللي سابها وراه كانت كتيرة، وأنا كنت قاعدة في بيت قديم الإيجار بتاعه بينتهي خلال شهرين، وصاحب البيت كان مهددني إنه يا إما يدفعني أضعاف المبلغ يا إما يطردني أنا وعيالي في الشارع.
في يوم، وأنا قاعدة بالليل ماسكة ورقة وقلم وبحسب الحسابات اللي مش بتكفي، سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة.. استغربت، مين هيخبط في وقت متأخر كده؟! فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي هزتني من جوه.
لقيت قدامي جارتنا الحاجة “تيسير”، ست كبيرة في السن ومن أطيب أهل الشارع، ومعاها شنطة صغيرة وفي إيدها طبق رز بعلبة سمنة بلدي.. دخلت ودخلتها معايا وهي بتقول بصوت هادي وحنين: “ازيك يا صابرين يا بنتي؟..
معلش جيت في وقت متأخر، بس قلبي كان حاسس بيكي، وعارف اللي مررتي بيه الأيام اللي فاتت مع أخوكي، وحسيت إني لازِمه أجيلك وأطمن عليكي بنفسي”.أول ما سمعت كلامها، حسيت إن الدموع اللي حبستها أيام نزلت غصب عني..
قعدت على الكرسي وأنا بعيط بهدوء، وقلت لها: “الدنيا ضاقت عليّ قوي يا حاجة تيسير.. جوزي مات وسابني، وأخويا باعني، وصاحب الشقة هيدخلني القسم عشان الإيجار، وعيالي بيبصولي كأنهم مستنيين المعجزة.. وأنا مفيش في إيدي حاجة”.
الحاجة تيسير ابتسمت بحنان، وقالت لي جملة غيرت مجرى تفكيري كله: “مين قال إن مفيش في إيدك حاجة يا بتي؟.. هو أنتِ مفكرة إنك لسه ضعيفة زي الأول؟.. ده أنتِ بقيتي حديث الشارع كله بشجاعتك، والست اللي تقف وتقهر راجل زي سالم وتجيبه هو ومراته لبيت غلبانة عشان تعتذر، قادرة تعمل المستحيل”.
سألتها باستغراب: “مستحيل إيه بس يا حاجة؟.. أنا أخري مخرز في حيطة وبطبخ بالقطارة”.قالت لي وهي بتطلع كارت صغير من جيبها: “اسمعي مني.. أنا ليا بنت أخت شغالة مسؤولة في مصنع ملابس كبير هنا في المنطقة، والمصنع ده بيوزع شغل تطريز وخياطة منزلية للستات اللي زي الذهب اللي زيك، بيدي فلوس كويسة جداً، وأنتِ ماشاء الله عليكي إيدك تتفحر في الصخر وتعرفي تعملي أحلى شغل.
. وأنا كلمتها عليكي، وهي مستنية تروحيلها بكره الصبح بالبطاقة عشان تاخدي أول دفعة شغل تفصيل وتطريز في البيت، وتكسبي من تعب إيدك بالحلال ومن غير ما تحتاجي لجزمة أخوكي ولا لغيره”.الكلام نزل على قلبي زي براد مية ساقعة في عز الحر.