جوزى كل أول شهر 2

قفلنا الخط، وبصيت لأمي، لقيتها بتضحك وبدموع الفرحة حضنتني وقالت:

—حقك ما يضيعش أبداً يا بنتي.. ربنا أظهر الحق في الوقت المناسب.

بس الحكاية لسه ما خلصتش.. لأن بكرة الصبح في المحكمة، كان في مفاجأة تانية خالص مستنيانا.. مفاجأة غيرت مجرى حياتي للأبد!

التانية إلا ربع الصبح.. الموبايل جنب مخي رن رنة واحدة وقطع. فتحت عيني والنور الأبيض الضعيف من شباك أوضة أمي كان ضارب في السقف. قلبي دق جامد؛ اليوم ده مش أي يوم، ده يوم المهدد المفصلي، يوم ما هقعد على الكرسي قدام المأذون أو المحامي عشان أخلص من كابوس أربع سنين.

قمت بهدوء عشان مصحشيش أمي اللي نامت متأخر وهي ماسكة إيدي وبتدعيلي. دخلت الحوض اتوضيت وصليت ركعتين في الصمت، حسيت بروح غريبة بتملا قلبي، طمأنينة مش طبيعية كأن الملائكة ماسكة روحي.

الساعة تسعة الصبح كنت قدام محكمة الأسرة بوسط البلد. الجو كان زحمة كالعادة، صوت العربيات والباعة الجائلين، وريحة القهوة العتيقة اللي طالعة من القهاوي البلدية اللي حوالين المحكمة. كنت لابسة بدلة رسمية سوداء وتحتها قميص أبيض، حاطة نظارة شمسية مدارية بيها عيوني السهرانة، ورافعة راسي لفوق. معتز، المحامي اللي وكلته وخلص كل الإجراءات بسرعة الصاروخ، كان واقف قدام البوابة ببدلته الأنيقة وماسك ملف جلد أسود تخين.

أول ما شافني، جه نحوي وابتسم بثقة:

—صباح الخير يا مدام سارة.. جاهزة؟ جوزك وأهله جوه من بدري، وشكله كده دايق طعم الصدمة بجد.

هزيت راسي بهدوء:

—صباح النور يا استاذ معتز.. أنا مستعدة لأي حاجة، ويلا بينا نخلص.

دخلنا ممر المحكمة الضيق اللي ريحته ورق قديم وحبر. وصلنا للغرفة المخصصة لجلسات التسوية والطلاق الاتفاقي، ودخلت ومعايا محامي.

كان طارق قاعد على الكرسي اللي بره، ووشه أصفر لدرجة تخوف، عينه تحتها هالات سوداء كأنه ما نامش سنين. جنبه كانت قاعدة أخته “سمر” اللي كانت مبطلة عياط بس ملامحها مكسورة وساكتة تماماً، وحماتي كانت قاعدة بعيد شوية، أول ما رأتني دخلت، دارت وشها الناحية التانية بكبرياء مكسور وكأنها مش قادرة تبص في عيني بعد كل البلاوي اللي ظهرت.

أول ما طارق شافني، قام بسرعة وجري ناحيتي، وصوته كان متهدج وبيترعش:

—سارة.. ارجوكِ.. اسمعيني ثواني بس..

معتز المحامي وقف قدامه بكل حزم ووقفه مكانه:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *