انا واخت جوزى 2

ـ يا مدام هنادي.. فيه برة شخص بيسأل عنك بإلحاح، وشكله مش غريب.. ده يبدو إنه مهندس أو رجل أعمال، وبيقول إنه زبون وعنده طلبية كبيرة للورشة كلها.

تركت الماكينة وقلت بجدية:

ـ دخليه يا حنان، الشغل شغل.

دخل الرجل إلى غرفة الاستقبال بالورشة، وكان شاباً في أوائل الثلاثينات، وسيم الملامح، يرتدي بدلة أنيقة، وبدا على وجهه الاحترام والوقار. وقف وقال بصوت هادئ:

ـ السلام عليكم.. أهلاً بيكي يا مدام هنادي. أنا المهندس “حازم”.

قلت وأنا أشير إلى المقعد أمامي:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بحضرتك يا بشمهندس. تفضل، سمعت إن عندك طلبية خاصة للورشة؟
ابتسم حازم ابتسامة رقيقة وقال:

ـ الحقيقة.. الشغل مش مجرد طلبية عادية. أنا صاحب مؤسسة خيرية ومحلات لتجهيز العرائس والأيتام، وشفت شغل إيديك وتصاميمك عند قريبة ليا اسمها “سعاد” (وعرفنا أن سعاد جارتنا القديمة هي قريته)، وانبهرت بدقتك وأمانتك في الشغل، وحبيت أتعاقد معاكي لتكوني المورد الأساسي لكل تصاميم المؤسسة في المحافظة كلها!

شَعرت بالفخر يسري في عروقي؛ هذا الثمرة الحقيقية لتعب وجهادي وسهري طوال الشهور الماضية، ولم يكن سوى دليل جديد على أن الله يفتح أبواب الرزق لمن يصدق معه.

أجبتُه بثقة واحترافية:

ـ يسعدني جداً يا بشمهندس حازم، وشغلنا في ورشة “هنادي” مبني على الجودة والأمانة في الميعاد. اتفضل نقرأ تفاصيل العقد ونحدد الكميات.

بداية طريق النور
جلسنا نناقش تفاصيل العقد لقرابة الساعة، وكان حازم طوال الوقت يبدي إعجابه الكبير بقدرتي على إدارة العمل بمفردي بعد كل الظروف التي مررت بها (حيث كانت سعاد قد حكت له نبذة عن قصتي وكفاحي). وعندما همّ بالانصراف، وقف وقال بنبرة صادقة تكسوها الاحترام:

ـ مدام هنادي.. أنا أعرف جزءاً من قصتك من خالتي سعاد، وأحب أقولك إن اللي زيك ده نموذج حقيقي للست المصرية الأصيلة اللي بتبني نفسها من رماد الصعاب. أتمنى يكون التعاون ده بداية لخير كبير لورشَتِك.

شكرته بابتسامة امتنان، وخرج وهو يترك خلفه ليس فقط عقداً تجارياً ضخماً، بل طاقة إيجابية جديدة وأملًا متجدداً بأن القادم أفضل بكثير.

في تلك الليلة، وأنا جالسة في شقتي مع ملك التي كانت نائمة بعمق وبراءة، نظرت من النافذة إلى النجوم الساطعة في السماء، وتذكرت تلك الليلة المظلمة التي طردت فيها من بيت العيلة وأنا باكية ومقهورة. أدركت حينها أن كل دمعة نزلت من عيني كانت تغسل قلبي من الضعف، وكل محنة مرت بي كانت تبني مني امرأة لا تقهر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *