رحت يومين عند اختى 2

الظابط خطف التليفون من على ، وعينيه بتطق شرار، وكلم الشخص اللي على الخط الثاني بنبرة حازمة وصارمة:

”سامعني كويس.. اللي طارق وأمه اتقبضوا فيها دلوقتي متروسة بوليس، والبضاعة اتمسكت، وأنت وكل اللي وراكم كارتكم اتكشف.. لو خطوة واحدة بس قربتوا ناحية المستشفى أو فكرتوا تقربوا للمدام ندى أو ابنها، هخلي اسمك في أول قائمة المطلوبين في أمن الدولة.. اقفل، وماتحاولش تتصل تاني لأن الاتصال دلوقتي مراقب!”

قفل الظابط الخط، وبص لـ “مصطفى” وأمينة اللي كانوا واقفين في صدمة تامة من اللي سمعوه. أمينة حطت إيديها على بوقها وقالت بذهول:

”يا مصيبة سودة! طارق الهادئ المحترم، اللي كان بيمشي جنب الكارت، طالع تاجر مخدرات وشغال مع ناس كبار كمان؟ واحنا يا غافلين لكم الملك كنا مفكرينه راجل طيب!”

مصطفى بص للظابط وقال بسرعة:

”يا فندم، أنا مستعد أفضل هنا في المستشفى ومتحركش لحد ما ندى تقوم بالسلامة، وشغلي في دليفري سهل أعوضه، بس الواضح إن الناس دي مش هسيبوها في حالها، وخصوصاً إنهم عرفوا إن الكارت الميموري معاي.”

الظابط هز راسه بالإيجاب:

”كلامك مظبوط يا مصطفى. العسكريين هيكونوا واقفين قدام باب الأوضة برة، ومحدش هيقدر يدخل هنا كائناً من كان إلا بإذن مني.”

في الوقت ده، جوة غرفة العمليات، كانت المعركة شغالـة من نوع تاني. ندى كانت بتصارع الوجع والخوف، صوت الأجهزة حواليها بيصفر، والدكاترة بيحاولوا ينقذوا الجنين اللي نزل قبل معاد الطبيعي بسبب الصدمة العصبية العنيفة اللي اتعرض لها جسمها. ندى كانت بتستمد طاقتها الأخيرة من صوت دقات قلبها المكسور ومن فكرة واحدة بس: *لازم أعيش عشان ابني.. لازم أشوفه وهو في حضني*.

بعد ساعات طويلة، ساعات شبه الدهر على كل اللي بره الأوضة، اتفتحت باب العمليات وطلع الدكتور وعلومه ابتسامة تعب بس مطمئنة:

”حمد لله على سلامتها.. الولد اتولد في أول الثامن، وعنده شوية ضعف في التنفس، بس دخل الحضّانة وحالته مستقرة.. والأم الحمد لله خرجت من الخطر.”

أمينة زغردت بصوت خفيف وهي بتدمع من الفرحة، ومصطفى تنفس الصعداء وقال بصوت عالي:

”الحمد لله يا رب! الحمد لله.”

الظابط بلغ مديرية الأمن باللي حصل، وفي خلال ساعة واحدة كانت قوة أمنية كبيرة بتداهم الوكرة أو المخزن السري اللي طارق كان مستخدمه لتخزين البضاعة في منطقة قريبة من الحي الشعبي. البوليس لقى كميات ضخمة من المخدرات، وفلوس مهولة، وأوراق وتوقيعات مزورة لناس كتير تانية مش لندى لوحدها، وده معناه أن طارق وأمه كانوا عصابة منظمة بتستغل الستات وضعفهم عشان يسيطروا على أملاكهم ويستخدموهم كواجهة لشغلهم الشمال.

تاني يوم الصبح، ندى فاقت في أوضتها العادية، وحواليها أمينة اللي كانت ماسكة كوباية عصير وبتأكلها بحب وحنان كأنها بنتها. الباب خبط، ودخلت الممرضة ومعاها طفل صغير محطوط في برتات الحضّانة المتنقلة، وقالت بابتسامة:

”دكتور الحضّانة بيقول إن الطفل يقدر يقعد مع مامته نص ساعة عشان يرضع.”

ندى نزلت دموعها بغزارة، ومدت إيديها المرتعشة، وشالت ابنها الصغير وحضنته لصدرها لأول مرة وهي بتمسح على شعره بخوف وحب:

”أنت جيت عشان تنقذني يا حبيبي.. مش هسمح لحد يوجعك طول ما أنا عايشة.”

في اللحظة دي، دخل الظابط الأوضة وبص لندى باحترام وقال:

”مدام ندى.. طارق وأمه دلوقتي في التخشيبة، وأمر النيابة صدر بحبسهم احتياطياً على ذمة التحقيقات في قضايا تجارة مخدرات، وتشكيل عصابي، وتزوير، واعتداء عمدي.. ومفيش خروج منهم للأبد.”

ندى رفعت راسها للظابط وقالت بصوت ثابت لأول مرة من سنين:

”أنا عايزة أطلق.. وعايزة أغير اسم ابني.. مش عايزة أي صلة تجمعنا بالبني آدم ده تاني.”

الظابط ابتسم وقالها:

”كل حقوقك هترجعلك بالقانون، ومحدش هيقدر يلمس شعرة منك.”

ندى بصت لمصطفى وأمينة اللي كانوا واقفين في جنب الأوضة بيبتسمولها بفخر، وحست إن الحياة بدأت تفتح لها باب جديد ونظيف بعيد عن جدران الشقة الملعونة.

لكن في نفس اللحظة دي، وفي قسم الشرطة، وبالتحديد جوة حجز الموقوفين.. طارق كان قاعد على الأرض بيعيط بندم كذاب، وأمه الحاجة سعاد كانت بتبرطم بكلام غير مفهوم من شدة الصدمة. وفجأة، طارق رفع راسه وبص لمأمور القسم اللي كان بيمر على الحجوزات وقال بصوت مرعوب:

”يا باشا.. أنا عايز أقولكم على حاجة تانية أكبر بكتير.. فيه شخص كبير أوي هو اللي كان بيحركنا.. ولو اتكلمت وقولت اسمه، أنا عارف إن حياتنا انتهت، بس هما كمان مش هيسيبوا حد عايش!”

مأمور القسم وقف قدام زنزانة طارق، وبص له بنظرة حادة ومليانة احتقار، وقال بصوت جاد وقوي:

”اتكلم يا طارق.. وماتضيعش الوقت في كلام فاضي، أصل مفيش حد كبير على القانون، واللي دخلوا رجليك دول خلاص حفروا قبورهم بإيدهم، انطق وقول مين الباشا الكبير اللي ورا الشغلانة دي؟”

طارق كان بترعش، وشفايفه بتنطق الكلمات بصعوبة كأن الكلام بيطلع مسموم من بوقه:

”اللواء محروس.. اللواء محروس اللي كان ماسك مديرية… هو اللي كان شغالين لحسابه، وهو اللي كان بيوفر لنا الحماية وبيسهل خروج وبدخل البضاعة من الموانئ، وبالمقابل.. كان واخد نص أرباح كل العمليات، وكان بيمضينا على إيصالات أمانة وعقود وهمية عشان لو حد فينا فكر ينشق عنه، يلبسه القضية لوحده.. هو اللي أمرني أضغط على ندى عشان تخلص من بيت أبوها عشان يشتري الأرض اللي جنبه ويضمها لمشروعه الكبير!”

مأمور القسم بص للظابط اللي كان واقف جنبه، والاتنين فهموا إن القضية كبرت وبقت أطرافها بتلم ناس في مناصب حساسة وخطيرة. المأمور أمر فوراً بتحرير محضر أقوال بالاسم الجديد، وعرض المستندات دي على النائب العام في أسرع وقت.

في المستشفى، كانت الأجواء أهدى بكتير. ندى كانت قاعدة على السرير وبتبص لابنها الصغير اللي سمته “حمزة” عشان يكون في ضهره سند وقوة. الباب خبط، ودخلت أختها الكبيرة “شيماء” وهي بتجري بدموع الفرحة والحضن المفتوح، ورمت نفسها على ندى وهي بتعيط بحرقة:

”حقك رجع يا ندى.. أمينة حكت لي على كل حاجة! أنا أسفة إني مكنتش جنبك، أسفة إني مأخدتش بالكويس من اللي بيحصل.. سامحيني!”

ندى حضنت اختها وقالت بصوت دافئ:

”خلاص يا شيماء، الكابوس انتهى.. أنا وحمزة بقينا في أمان، وربنا بعت لنا ناس تنقذنا في آخر لحظة.”

مصطفى وأمينة كانوا واقفين على الباب بيبتسموا للمشهد الإنساني ده. مصطفى حس بإحساس غريب جواه، كأن ربنا جعله سبب عشان ينقذ حياة الست دي وابنها من الموت المحقق.

بس المفاجأة لم تخلص عند هذا الحد..

بالليل متأخر، وفي نفس الوقت اللي كانت التحقيقات بتتسارع فيه ضد اللواء محروس وعصابته، دخلت عربية سوداء فخمة قدام باب المستشفى ونزل منها شخص لابس بدلة رسمية أنيقة، ومعاه شخصين تانيين من الحراسة الخاصة. دخلوا من باب الطوارئ وطلعوا على الدور اللي فيه غرفة ندى بسرعة غريبة.

العسكريين اللي كانوا واقفين قدام الأوضة استوقفوهم بحزم:

”وقف عندك.. ممنوع الدخول بأمر النيابة!”

الشخص اللي كان في المقدمة طلع بطاقته الشخصية وقال بصوت هادئ ومهم:

”أنا المستشار رأفت.. محامي بخصوص بلاغ مقدم من جهة سيادية عليا بخصوص تأمين المجني عليها ندى.. ومطلوب نقلها فوراً لمكان آمن ومجهز لحمايتها قبل ما أتباع اللواء محروس يوصلوا لها!”

ندى اللي كانت صاحية وسامعة الكلام من جوه الأوضة، قلبها دق برعب، وبصت لأختها شيماء وهي بتقول بتهتهة:

”مين ده يا شيماء؟.. هو الكابوس لسه مخلصش ولا إيه؟!”

ظابط المباحث المسؤول عن تأمين المستشفى جه على صوت الحوار، ووقف قدام المستشار رأفت بعينين فاحصة ونبرة قاطعة:

”أهلاً يا سيادة المستشار.. معلش، التعليمات عندي مشددة، ومفيش أي مخلوق يخرج من المستشفى أو ينقل المدام ندى إلا بأمر مباشر ومكتوب مني وبإذن من النيابة العامة.. اتفضل وريني إذن النيابة أو التصريح الرسمي!”

المستشار رأفت ابتسم بهدوء وثقة، وطلع ملف جلدي فيه أوراق رسمية بختم الدولة والنيابة العامة، ومد إيده بيها للظابط وقال:

”اتفضل يا فندم، كل الإجراءات قانونية وموقعة بقرار عاجل من النائب العام لتأمين الشاهدة الرئيسية والطفل في قضية شبكة اللواء محروس، خصوصاً بعد ما وصلتنا معلومات أكيدة إن رجالته بيخططوا على المستشفى لتهريب المستندات وإسكات ندى للأبد.”

الظابط قرأ الورقة بتركيز شديد، واتأكد من صحة الأختام، وبعدين بص لندى اللي كانت مرعوبة وهي حاضنة ابنها “حمزة” وقاعده على السرير، وقال لها بنبرة مطمنة:

”اطمني يا مدام ندى.. الإجراءات دي عشان حمايتك أنتي وابنك، وقوة خاصة من مكافحة الإرهاب هترافقكم لحد المكان الآمن.”

شيماء أختها مسكت إيدها وقالت بتشجيع:

”روحي يا ندى، ده أمان ليكي ولابنك.. وأنا هكون معاكم خطوة بخطوة.”

مصطفى، عامل الدليفري، قرب بخطوات بطيئة وقال بابتسامة دافئة:

”وأنا كمان مش هتحرك من هنا.. الموتوسيكل بتاعي جاهز، وهكون ماشي ورا عربية التأمين لحد ما تطمنوا في مكانكم الجديد.. ربنا ما يوريكم أي شر تاني أبداً.”

ندى بصت لكل اللي حواليها؛ لأمينة اللي فتحت باب بيتها وقلبها لها، ولمصطفى اللي كان سبباً في نجاتها، و لأختها اللي عمرها ما سابتها.. وشافت في عيون ابنها الصغير نظرة قوة وبداية جديدة.

تحت حراسة أمنية مشددة، خرجت ندى من باب المستشفى وهي رافعة راسها لفوق، وسابت وراها جدران الشقة الملعونة، وكل ذكريات الظلم والقهر.

في نفس اللحظة دي، كانت قوات الأمن الخاصة بتداهم فيلا اللواء محروس وتقبض عليه وهو بيحاول يهرب مع باقي أفراد العصابة، واتقفلت القضية متلبسة بكل أدلتها، وصدرت الأحكام القضائية الرادعة اللي رجعت لندى حقها وحق ابنها بالقانون.

بعد مرور سنة كاملة.. كانت ندى قاعدة في شقة جديدة، هادية، مليانة نور وأمل، وحمزة بيلعب قدامها على السجادة وبيضحك بصوت عالي. فتحت باب البلكونة، وشافت الشمس طالعة صافية ومنورة الشارع، وحست لأول مرة في حياتها إن الجرح التم، وإن بكرة أحلى وأطهر بكتير من إمبارح.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *