من أول يوم جواز وأنا حاطط خطوط حمراء واضحة، أنا الراجل، وأنا اللي بشتغل وبدفع الإيجار وبملا التلاجة، ونهى مراتي ملهاش غير إنها تسمع وتطيع، أصلها خريجة معهد ومش بتشتغل، يعني عايشة في خيري. وطبيعي جداً اللي يدفع هو اللي يقرر، عشان كده عمري ما سمحت لأهلها يدخلوا بيتي غير في المناسبات الرسمية، وبحساب شديد، ده غير إني مانعها تروح لهم أكتر من مرة كل شهر، وأقولها دايماً: “أهلك ناس على قدهم، ومفيش من وراهم غير وجع الدماغ، لكن أهلي هما الأصل والعزوة”. الموضوع بدأ يكبر لما أمي قررت إن شقتي هي الملتقى العائلي لكل العيلة. كل جمعة، البيت يتقلب سوق، إخواتي وعيالهم، ونهى من صباحية ربنا في المطبخ، تقف على رجليها تمان ساعات تطبخ وتغسل وتقدم، وأمي تقعد في الصالة تتأمر: “الملح قليل يا نهى، الشاي برد يا نهى، الشقة مش ممسوحة كويس يا نهى”. نهى كانت بتيجي تشتكي لي بدموعها وتقولي: “أنا ضهري اتك. سر، ومش قادرة على خدمة العدد ده كله لوحدي، ارحمني وخلي حد من إخواتك يساعدني”، لكن أنا كنت بق. طع كلامها بزعيق: “انتي تطولي تخدمي أهلي؟ ده أنتي قاعدة في خيرهم، ولو مش عاجبك روحي عند أهلك”. القشة اللي قصمت ضهر البعير كانت لما أخويا الصغير طارق اتخرج وقرر يقدم على شغل في القاهرة. أمي اتصلت بيا وقالتلي بلهجة مفيهاش نقاش: “أخوك ملوش غيرك، هيسكن معاك في الشقة لحد ما يلاقي وظيفة ويستقر”. وطبعاً، كراجل أصيل وسند لعيلتي، وافقت فوراً وقولت لطارق: “البيت بيتك”. طارق دخل البيت واعتبره فندقه الخاص، يصحى الضهر، يطلب فطار مخصوص، ويسيب هدومه وسجايره مرمية في كل ركن. والأدهى من كده، إنه مبقاش يحترم خصوصية نهى، يدخل المطبخ وهي بشعرها، ويعلق على شكلها وعلى لبسها، ويقولها باستهزاء: “هو أنتي يا نهى مابتغيريش الترينج ده؟ ده أنتي شكلك بقيتي أكبر من أخويا بعشر سنين!”. نهى وشها كان بيجيب ألوان، وتبصلي عشان أرد اعتبارها، لكن أنا كنت بضحك وأقول: “طارق بيهزر معاكي، متكبريش الموضوع وتبقي نكدية”. الوضع اتأزم لما طارق بقى يطلب مني فلوس لمصاريفه وخروجاته، وكنت بقطع من ميزانية البيت وبديله، لدرجة إني شيلت فاكهة ولحمة الأسبوع عشان أسدد له قسط تليفونه الجديد. نهى لما شافت التلاجة فاضية وقالتلي: “يا ماجد مفيش أكل يكفي لآخر الأسبوع، وأنت بتدلع أخوك على حساب البيت”، اتعصبت عليها وضــ,,ـــــربت بإيدي على الترابيزة: “فلوسي وأنا حر فيها، وأخويا أولى من بطنك! عاجبك على كده ولا الباب يفوت جمل؟ المفروض انك تنزلى تشتغلى وتساعدينى لكن انتى مابيجيش من وراكى غير الزن”. نهى بصتلي ساعتها بنظرة عمري ما شفتها في عينيها قبل كده، نظرة مفهاش عياط ولا توسل زي كل مرة، كانت ساكتة ببرود يرعب، وسابتني ودخلت الأوضة وقفلت على نفسها. أنا طبعاً منفضتش للموضوع، قولت شوية وهتروق وتعرف إن ملهاش غيري، ماهي ملهاش حيلة، هتروح فين يعني؟ تاني يوم الصبح، صحيت لقيت طارق قاعد في الصالة بالبو. ك. سر وحاطط رجله على الترابيزة وبيتفرج على التلفزيون بصوت عالي، أول ما شافني قال بزهق: “إيه يا ماجد، مراتك لسه نايمة؟ فين القهوة والفطار؟ هي فاكرة نفسها في فندق ولا إيه؟”. دخلت أوضة النوم وأنا متغاظ عشان أزعق لها، لقيت السر. ير معمول، والدولاب مفتوح… ونصه فاضي! هدومها ودهبها اللي دخلت بيه مش موجودين، وعلى التسريحة محطوط مفتاح الشقة وورقة صغيرة مكتوب فيها كلمتين بس: “سيبتلك بيتك وخيرك، وسيبتلك أخوك يطبخ لك ويشيل سجايرك”. دمي فار، إزاي تتجرأ تخرج من غير إذني؟ مسكت التليفون ورنيت عليها مردتش، رنيت على أبوها لقيت الراجل بيرد عليا ببرود غير عادته: “نهى عندي يا ماجد، وبنتنا مش هترجع لك تاني، ولينا كلام وقعدة تانية”. قفلت السكة في وشه وأنا بنفخ وقولت لطارق: “بنت الـ… مفكرة إنها بتلوي دراعي، والله ما أنا سائل فيها، مسيرها ترجع تبوس رجلي عشان لقمة العيش”. عدى أسبوع، وأسبوعين، والبيت اتحول لمقلب زبالة رسمي. طارق مش فالح غير في طلب الدليفري اللي شطب على باقي مرتبي، ومفيش حد يغسل قميص، ولا يمسح ترابيزة، وأمي لما عرفت اتصلت بيا تقولي: “أوعى تروحلها ولا تعبرها! دي بتتمرد عليك، خليها تتربى عند أهلها، وأنا هجوزك ست ستها”. الضــ,,ـــــربة بجد جاتلي بعد شهر، كنت فاكر نهى قاعدة عند أهلها مستنية مكالمة مني، لكن اتفاجأت بإنها مقدمة في وظيفة في شركة كبيرة ونزلت اشتغلت على شهادة المعهد بتاعتها وطورت من نفسها في كورس كانت واخداه في السر، والأدهى من كده، لقيت محضر بيخبط على الباب ومعاه إنذار بدعوى طـ،،ـلـ،،ـاق للضرر ومؤخر وقايمة نفقة بمبلغ يكسر الضهر! وقفت في الصالة والورقة في إيدي بترتعش، ببص حوالي لقيت أطباق مكسورة، وهدوم طارق وسخة مرمية على الأرض، والتلاجة اللي كنت بتباهى إني بملاها مفيهاش حتى إزازة مية نضيفة. طارق صحي من النوم ودخل عليا بكل بساطة يمد إيده: “ماجد، معيش رصيد وعايز ألفين جنيه عشان رايح قابض صحابي، طلع بسرعة”. بصيت لطارق، وبصيت للورقة اللي في إيدي، وفجأة صوت سكات نهى ونظرتها الأخيرة رنوا في ودني، ولأول مرة حسيت إن كل “الخير” والعزوة اللي كنت بتمنظر بيهم، مش نافعيني بحاجة، وإن البيت اللي كنت فاكر نفسي سيده وبانيه بفلوسي، اتهد فوق دماغي وأنا واقف بتفرج. بصيت لإيد طارق الممدودة ولشكله المستفز، والدم غلي في عروقي لدرجة إني مكنتش شايف قدامي. حسيت إن كل الغضب والضغط والمهانة اللي في ورقة المحضر دي عايزين يخرجوا في حد، وصوت زعيقي رج الشقة: “ألفين جنيه إيه يا روح أمك؟ ! أنت فاكرني بنك؟ فاكرني شغال عندك وبصرف على صياعتك؟! قوم غيّر هدومك ولم زبالتك دي واطلع برة بيتي!”. طارق اتخض وبرق بعينيه، مكنش مصدق إن “أخوه الكبير وسنده” بيزعق له كده، وبدل ما يتلم لقيته بيتبجح ويرد بعنجهية: “بتزعق لي أنا يا ماجد عشان ست ما تسواش سابتك وخلعت؟ بقى بتطرد أخوك من لحمك ودمك عشان حتة ورقة من المحكمة؟ أنا هكلم أمي وأقولها على قلة أصلك!”. “كلمها وكلم الدنيا كلها، غور من وشي!”، صرخت فيه وأنا بزقه ناحية الأوضة. ما كملش نص ساعة وكان لامم هدومه في شنطتين ونازل يرزع الباب وراه وهو بيتحسبن عليا. طارق متلحقتش أتنفس، تليفوني رن وكان المتوقع… أمي. فتحت الخط وجالي صوتها زي مدفع شغال شتايم وتأنيب: “بقى تطرد أخوك الصغير في الشارع يا ماجد؟ عشان خاطر الجربوعة اللي هربت وسابتك؟ دي أخرة تربيتي فيك؟ تنزل وتصالحه دلوقتي وتبو. س راسه، والبيت اللي مش عاجبها ده هو أولى بيه! “. ساعتها، ولأول مرة في حياتي، الرد وقف في زوري. أمي مفرقتش معاها إني متدمر، ولا إن بيتي ات. خ. رب، ولا إن عليا قضايا ومحاكم تهد جبل، كل اللي كان فارق معاها إن ابنها الصغير يفضل متدلع ومتشال على كفوف الراحة حتى لو على حسابي أنا وخراب بيتي. قولت بصوت واطي ومخنو. ق: “يا أمي بيتي اتخر. ب، مراتي رافعة عليا قضايا بمئات الآلاف، والشقة مقلب زبالة ومش لاقي أكل”. ردت ببرود نشف ريقي: “تستاهل عشان اخترت واحدة مش من توبنا، اتصرف مع محاميك، بس أخوك لو بايت في الشارع لا أنت ابني ولا أعرفك! “. قفلت السكة في وشها ورميت التليفون على الكنبة. قعدت على الأرض بين الكراكيب والهدوم الوسخة، حاطط راسي بين إيديا. البيت كان هادي بسكوت يخنق، مفيش ريحة أكل طازة كانت بتملا الشقة كل يوم أول ما أرجع من الشغل، مفيش قميص مغسول ومكوي متعلق في الدولاب، مفيش كلمة “حمد لله على سلامتك”.